الوضع المظلم
الثلاثاء ٢٣ / يوليو / ٢٠٢٤
Logo
السويداء وضوح الهوية الوطنية وأسئلة الواقع الراهن
جمال الشوفي

أعادت مظاهرات السويداء بعث الروح والحياة في قلوب شبابها التوّاق للحرية والعيش الكريم، وبثت نفحاتها على كل السوريين. وإذ تعيد انتفاضة السويداء السلمية والمدنية والتي دخلت شهرها الثاني بشكل متواتر ومتتالي مسار المسألة السورية من عقدة دولية في تقاسم النفوذ فيها، إلى نقطة تحولها المفترضة واستحقاقها الذي طال انتظاره بتطبيق القرار الأممي 2254 ومقدمته التغيير والانتقال السياسي، لدولة المواطنة والحق والقانون، وليست لاستبدال سلطة بأخرى.

عرس ساحة الكرامة، وإذ يستعيد ذكريات مظاهرات الساحات السورية في بداية انطلاقتها في 2011، عرس وطني يؤكد على الهوية الوطنية السورية، ويرفع صور إبراهيم هنانو وصالح العلي ويوسف العظمة وسلطان الأطرش، رجال الدولة الذين أسسوا لنواة الدولة الوطنية السورية بدايات القرن العشرين، قبل أن يقرضها حكم عسكر البعث الحاكم.

في ساحة الكرامة أسماء المعتقلين والمغيبين قسرًا وصور ضحايا التعذيب في السجون السورية تستدعي الذاكرة الممتلئة ألمًا ورعبًا فتفيض القلوب قبل الأعين. ولافتات الانتفاضة تقول بصراحة ووضوح لا لبس فيه: التغيير السياسي ضرورة سورية لاستعادة الدولة، وتطبيق القرار الأممي 2254 هو مفتاح الحل السوري. وما زاد ألقها حضور عشائر البدو ووفد من أهالي درعا، وفناجين القهوة تُصب للمتظاهرين، وسلال من العنب والتفاح ترافقها أهازيج وتراث أبناء السويداء ممتلئة بالفرح والبهجة، و"سدر" ممتلئ بالعنب والتين من خيرات الجبل حملته احدى سيداته، وتدعو الجميع: "تفضل على الميسور يا ابن بلدي"، فكان عرسًا وطنيًا.

تؤكد السويداء ثبات هويتها الوطنية وقبولها التنوع السوري العام، وعمق جذورها الوطنية، وسعيها لاستحقاق الدولة الوطنية التي يتساوى فيه كل السوريين حقوقًا وحريات لا يفرقهم عرق ولا دين ولا جنس. فتجد في ساحاتها من كل شرائح المجتمع من الشباب المدني ورجال الدين والمجتمع الأهلي وتتقدمهم نساء وسيدات السويداء، يهزجون بأغاني التراث الشعبي وهو يحاكي المرحلة الحالية من عمر سورية فيرددون: "الناس مليون ونيف فزيف قد ما فيك تزيف"، إشارة واضحة لقول رأس النظام أن عدد المتظاهرين المطالبين برحيله مئة ألف ونيف فقط! ويصر أبنائها على عدم رفع راية أو علم سياسي للنظام أو الثورة لما شكله من خلاف حاد في الشارع السوري، يكاد يودي بالهوية الوطنية السورية، ويصطفون تحت راياتهم المحلية متمثلة براية الموحدين التي هي راية تضامن ووجدان شعبي عام تلمهم وقت الملمات والتهديد بالوجود، وتعود لمكانها الديني وقت السلم والاستقرار. وهذه الراية هي التي واجه خلفها أبناء الجبل المصريين والعثمانيين في القرن التاسع عشر والفرنسيين في القرن العشرين، وهم اليوم يشعرون بتهديد وجودهم عبر تهجير أبنائهم الملاحقين بكل أنواع المذكرات الأمنية سواء بالتخلف عن الخدمة العسكرية أو المشاركة في المظاهرات السلمية التي لم تتوقف الأعوام السابقة؛ أو الفقر وانسداد الأفق العام والتضييق على الناس في معاشهم واستقرارهم. فهذه السلطة لم ولن تقدم تنازلًا واحدًا يفضي لحل سوري سياسي ينعكس على بنيتها الاقتصادية والمعاشية لتحقيق الاستقرار والسلام والأمان لكل سورية.

كما جرت العادة الأعوام الماضية، يتم ترويج التهم لكل منطقة تخرج ضد سلطة النظام السوري، فتهم الإرهاب حاضرة طوال الأعوام المنصرمة للحاضنة السنية الواسعة في سوريا، وتهم وهن الشعور القومي والعمل ضد الاشتراكية والعمالة للخارج تلاحق معارضيه في العقود الماضية، واليوم لا تنجو السويداء من تهم الانفصال وإقامة حكم ذاتي والعمالة لإسرائيل وأمريكيا.

السويداء بمزاتها الخاصة التي شرحت تفصيليًا في دراسات سابقة لا يمكن وصفها بالإرهاب، فرغم تدينها العام بدين الموحدين الدروز، لكنه تدين غير تكفيري ولا تبشيري، ولا يفرضه حتى على أبناء جلدته، ما أتاح مساحة واسعة فيها للعلم والتعليم ونمو الحركات المدنية والسياسية من شتى الصنوف. ورغم اعتدالها العام وطنيًا والتزامها الحياد الإيجابي من الحرب التي دارت على الأرض السورية بعد تحول مسارات ثورتها من السلمية لعنف متعدد الأطراف بدءاً من 2013، إلا أن أسئلة الحاضر أسئلة قلق دائمة في السويداء. فأمام متغيرات المسألة السورية واستعصاء حلها، تبرز على السطح المشاريع الخارجية السياسية الجزئية والتفكيكية للمسألة السورية. وهذا ما وجد له عنوان وهمي في مشروع الإدارة الذاتية الذي يروج له بعض واهمي السياسة عن طيب نية أو مكر ودهاء. فرغم الإعلان عن هيئة تأسيسية لهكذا مشروع اعلاميًا إلا أن رصيده المجتمعي والمدني والسياسي يكاد يكون صفرًا، ولا يوجد له مناصر سوى ضعاف النفوس وأصحاب الرؤية السياسية قصيرة النظر، وهم مجرد أفراد ليس إلا، والغريب أن رواية النظام السوري تستند إليهم وتصر على تجاهل آلاف المتظاهرين في الشارع كعادتها!

الحديث عن إدارة ذاتية في السويداء ضرب من الوهم السياسي، فلا مقومات مادية ولا موارد اقتصادية تؤهل المنطقة لحكم أو إدارة ذاتية كما شرق الفرات. فالإدارة الذاتية ليست إدارة المؤسسات بالأشخاص الكفؤ، وهذا حق عام، لكنها أيضًا إدارة الموارد الاقتصادية التي تفتقر لها السويداء. والمعروف أن هذه المنطقة بموقعها في الجنوب السوري، كانت وما زالت إحدى أهم ركائز الهوية الوطنية السورية، وبعيدة كل البعد عن المشاريع الانفصالية أو الارتهان للمشاريع الخارجية، ويدرك أبناؤها جيدًا أن انغلاق السويداء سيجعلها عرضة للابتزاز السياسي من كل الأطراف لفقدها للموارد الاقتصادية، ولاعتمادها الكلي على أبنائها المغتربين في تأمين قوت أبنائها اليومي. فهي المحافظة المهمشة من المشاريع الاقتصادية من سلطة النظام، ومن مبادرات الدول المانحة أيضًا الأعوام السابقة.

اليوم، تزداد أسئلة قلق الحاضر والواقع الراهن من ردة فعل النظام السوري على مظاهراتها المستمرة، خاصة بعد حادثة إطلاق الرصاص على المتظاهرين أمام فرع حزب البعث حين حاولوا إقفاله مرة أخرى، مترافقاً مع سيل من رسائل التهديد المتوالية للمحافظة والمتظاهرين والتهديدات الأمنية للموظفين بالفصل من عملهم، وسائقي باصات النقل من حرمانهم من مخصصات المازوت إذا ما نقلوا المتظاهرين للساحة؛ والبدء بالتلويح بتقنين الخدمات والتضييق الاقتصادي بقطع طريق الشام، شريان حياتها الوحيد، أو من افتعال الفتن المحلية بيد ميليشياته التابعة الموصوفة بالسلب والنهب وتجارة المخدرات، أو بالتهديدات المتكررة بداعش من البادية الشرقية، أو من تدخل عسكري مباشر فيها بغية وقف مدها الشعبي وتظاهراتها السلمية... وجميع هذه السيناريوهات متدرجة الاحتمال. فيما تبدو معادلة السويداء اليوم، هي معادلة قابلة لأن تكون نقطة القوة المثلى وبيضة القبان في ميزان المعادلة السورية. ويمكنها أن تحرك ملفها المستنقع في أدراج الأمم المتحدة، وتعيد تشكيل خطوات المبادرة العربية للحل السوري من جديد، ومظاهرات السويداء هي محركه وأساسه اليوم... وهذا ما يدركه أبناء السويداء ويعالجون أسئلة قلق الحاضر بحكمة لليوم بالإصرار على التظاهر السلمي والاستمرار فيه ونبذ مشاريع الوهم وقصر النظر السياسي.. وقادم الأيام تتطلب المزيد من الحكمة والتعقل بالإجابة على ما قد يطرأ من متغيرات.

ليفانت - جمال الشوقي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!