الوضع المظلم
الجمعة ٠١ / يوليو / ٢٠٢٢
Logo
  • بعد الزيارة الخليجية إلى الصين.. العلاقات السعودية التايلاندية لفتح صفحة جديدة

بعد الزيارة الخليجية إلى الصين.. العلاقات السعودية التايلاندية لفتح صفحة جديدة

بعد أقل من أسبوعين على زيارة الوفد الخليجي إلى الصين لرفع وتيرة التعاون في كافة الأصعدة، تلوح في الأفق عودة مرتقبة للعلاقات الدبلوماسية بين السعودية وتايلاند، بعد انقطاعها لعقود رغم خطوات خجولة في السنوات الأخيرة.

 تقع تايلند في الجهة الجنوبية الشرقية لقارة آسيا في شبه الجزيرة الهندية – الصينية، يعتبر موقعها الجغرافي عاملاً مهما في تنامي اقتصادها.

كما أنّ موقعها الجغرافي المميز على بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي، إضافة إلى إشرافها على المدخل الغربي لمضيق ملقا الإستراتيجي والذي يعد "شريان" الطاقة الصيني، بالتحديد.

مرت العلاقات السعودية التايلاندية بأزمة حادة في عام 1989 حين تم قطعها بين البلدين على خلفية مقتل دبلوماسيين سعوديين في بانكوك.إلا أن العلاقات استؤنفت في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2016 على مستوى القائم بالأعمال فقط، نتيجة وساطة قام بها رئيس وزراء البحرين الراحل الشيخ خليفة بن سلمان  آل خليفة.

لإعادة إحياء العلاقات المتوقفة منذ الثمانينيات، يصل رئيس وزراء تايلاند برايوت تشان أو تشا للسعودية، الثلاثاء، في زيارة مرتقبة تلبيةً لدعوة من ولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان.

اقرأ أيضاً: العلاقات الصينية الخليجية: من أمن الطاقة إلى الشراكة الاستراتيجية

أكد بيان صادر عن وزارة الخارجية السعودية أن الزيارة تأتي بعد مشاورات نتج عنها تقريب وجهات النظر في العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وحرصاً على استمرار التشاور والتنسيق وتبادل وجهات النظر حيال تلك القضايا.

وشدد البيان على أن الزيارة تأتي انطلاقًا من حرص المملكة على تعزيز العلاقات المشتركة ومدّ جسور واصل مع جميع دول العالم.

أصل الأزمة

بدأت الأزمة منذ عام 1989 بسرقة بستاني تايلاندي يعمل في قصر الأمير فيصل بن فهد بواباً، لمجوهرات الأمير على دفعات، حين كان الأمير وأسرته في إجازة خارج الرياض. وعند عودتهم، اكتشفوا اختفاء المجوهرات، وعلموا أن البستاني هو من قام بذلك.

وتدهورت العلاقات بين البلدين بسرعة نظراً لمكانة الأمير فيصل، إذ كان والده الملك فهد الراحل يتولى عرش المملكة وقتها. وأصبحت القضية أشبه بمثلث برمودا، تبتلع كل من يقترب منها.

من بين المجوهرات الثمينة التي سرقها، كانت هناك ماسة زرقاء باهظة الثمن ونادرة تتجاوز قيمتها 20 مليون دولار.

تواصل الأمير مع السلطات التايلاندية التي وعدت بحل القضية بأقصى سرعة وإعادة المجوهرات إلى إليه.

وحينها، ألقت السلطات القبض على البستاني واسترجعت منه المجوهرات وأعيدت للأمير وزُجَّ باللص في السجن لمدة خمس سنوات.

إلا أنّ 20 في المئة فقط من المجوهرات التي أعيدت إليه كانت حقيقية، أما الباقي فمزيفة.

لكنّ تايلاند  حاولت على مدار عامين الحفاظ على علاقات حسنة بالسعودية، فاستمرت في البحث بالقضية، واُتهم مسؤول بارز باختلاس بعض المجوهرات، وتم استردادها منه وأعيدت للأمير عام 1991، إلا أن الكَمّيَّة كانت صغيرة، ولم تكن الماسة الزرقاء من بين الجواهر المستردة.

كما سُجلت جميع عمليات القتل التي كانت ذات صلة بقضية جواهر الأمير فيصل، ضد مجهول، بمن فيهم قتل رجل أعمال سعودي كان يجري تحقيقا خاصاً في القضية، وأربع دبلوماسيين سعوديين، ورجّح خبراء أن يكون وراء عمليات القتل مسؤولون كبار في السلطة.

أثارت القضية سخط السعودية، فاتخذت إجراءات دبلوماسية ضد تايلاند منها خفض مستوى بعثتها الدبلوماسية إلى أقل مستوى. تلاها، تراجع عدد العمالة التايلندية في السعودية من أكثر من 200 ألف إلى 15 ألفا فقط.

الأمر الذي ألقى بظلاله على الاقتصاد التايلاندي المعتمد على تحويلات بقيمة مليارات الدولارات سنويا من العاملين في الخارج لأقاربهم في تايلاند.

كان محمد سعيد خوجة، الدبلوماسي السعودي صاحب الخبرة، قد أرسل إلى بانكوك بعد السرقة للإشراف على التحقيقات. وكان من المتوقع أن يظل في تايلاند لثلاثة أشهر إلا أنه استمر هناك لسنوات عدّة.

وكان دوره أقل من قائم بالأعمال حيث إن السعودية كانت قد خفضت مستوى تمثيلها الدبلوماسي مع تايلاند بعد حوادث السرقة والقتل.

اقرأ أيضاً: تايلند تسجّل أدنى عددٍ للسياح الأجانب منذ 12 عاماً

وفي عام 1994، صرح خوجة لصحيفة نيويورك تايمز: "الشرطة هنا أكبر من الحكومة نفسها، أشعر أنني كمسلم يجب أن أحارب الشياطين هنا".

لقد قُتل في ظروف غامضة كل من حاول الوصول إلى الحقيقة والكشف عن المستفيدين الحقيقيين من المجوهرات المسروقة.

وقال السعوديون إن ضباطاً تايلانديين كباراً لهم علاقة بالسرقة وعمليات القتل المتلاحقة للمحققين.

وتضاربت الآراء حول المشتبه بهم في عمليات القتل. فقد أشارت برقية أمريكية عام 2010، إلى أن حزب الله اللبناني وراء عمليات القتل في تايلاند، إلا أن التحقيقات لم تحسم الأمر وبقي اللصوص والقتلة مجهولين.

عودة مرتقبة للعلاقات

كانت الخطوات المبذولة لعودة العلاقات بين البلدين خجولة، بعد اندلاع الأزمة الدبلوماسية الحادة وخلال قمة حوار التعاون الآسيوي في بانكوك عام 2016، أجرى رئيس وزراء تايلاند برايوت تشان أو تشا محادثات مع وزير الخارجية السعودي آنذاك عادل بن أحمد الجبير. حينها قرر الجانبان إصلاح العلاقات.

بعدها بأربعة أعوام، زار نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية دون برامودويناي السُّعُودية في يناير/كانون الثاني 2020، في أول زيارة لوزير خارجية تايلاندي منذ 30 عاما.

والتقى القائم بالأعمال السعودي عصام بن صالح الجطيلي الاثنين الماضي بنائب رئيس الوزراء وزير الخارجية التايلاندي، وجرى خلال اللقاء استعراض جدول مناقشات رئيس الوزراء التايلاندي مع ولي العهد وعدد من الوزراء السعوديين بينهم وزراء الطاقة والخارجية والتجارة والاستثمار.

اقرأ أيضاً: السعودية تستعد لتكون مسؤولة عن ثلثي إمدادات النفط البولندية

وحسب مصادر دبلوماسية في الرياض لوكالة الأنباء الألمانية فإن زيارة رئيس وزراء تايلاند ستستمر ليومين يبحث خلالهما سبل تعزيزها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والنفطية والتجارية والعمالية.

وأفاد المصدر بأنّ زيارة رئيس الوزراء التايلاندي للرياض ولقائه بولي العهد السعودي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان "ستشكل مرحلة جديدة في علاقات البلدين التي تأسست عام 1957".

ومن المقرر توسيع آفاق التعاون بين الرياض وبانكوك في شتى المجالات وبخاصة الاقتصادية والسياحية والنفطية والتجارية، وفتح الباب أمام عودة التايلانديين للعمل في السعودية، وفقا لوكالة الأنباء الألمانية.

ولفت المصدر إلى "أن أولى الخطوات سيكون تعيين سفيرين في كلا البلدين"، وسط اهتمام سعودي بالعمالة التايلاندية.

ووفق تقارير إعلامية، من المتوقع أن يعرض"تشان أو تشا"، خلال الزيارة، استعداد بلاده لتقديم تعويضات مالية مجزية للضحايا الدبلوماسيين، وإعفاء المواطنين السعوديين من تأشيرة الدخول، إلى جانب تسهيلات كبيرة للاستثمار في مجالات النفط وتكريره والتعدين والاستزراع السمكي في بلاده.

كما يقدم عرضا بإمكانية المساهمة في إنشاء مصانع في السُّعُودية للسيارات وقطع غيارها ومصانع للأجهزة المنزلية والزراعية وإجراءات مستثناة لاستقدام العمالة التايلاندية وبتكاليف تفضيلية.

اقتصاد تايلاند وعلاقته بالصين

تمتلك تايلاند العديد من الصناعات على مستوى العالم، كالأقمشة والملابس، ومنتجات البلاستيك، والمأكولات البحرية، وصناعة السيارات، كما وتشتهر بصناعة السيارات والإلكترونيات، وهي معروفة أيضاً بكثرة المزارع وتطور النشاط الزراعي.

كما ازدهرت تايلاند في أواخر التسعينيات، بصناعة السيارات، لتكون أكبر الدول المصنعة لها في جَنُوب شرق آسيا، إذ تنتج منها قرابة المليوني سيارة سنوياً، كما وتحمل غالبية السيارات والشاحنات المصنعة علامات تجارية عالمية.

وفي الآونة الأخيرة، انتشرت صناعة أجهزة الاتصالات السلكية واللاسلكية حيت ركزت التنمية الصناعية في العاصمة بانكوك وما حولها. وتصدر من هذه الصناعة ما نسبته 15% ويعد الأعلى فيها، إذ تعد أجهزة الحاسوب والدوائر المتكاملة من أكثر السلع التي يتم تصديرها على نحو واسع.

أصبحت تايلند وجهة المتنافسين من الدول الكبرى لما لها من تأثير كبير، لا سيما موقعها الجغرافي المميز على بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي، إضافة إلى إشرافها على المدخل الغربي لمضيق ملقا الإستراتيجي والذي يعد شريان” الطاقة الصيني، بالتحديد.

اقرأ أيضاً: الصين تقود دبلوماسيّة جديدة في الشرق الأوسط

وتمول اليابان في محاولة منها لمحاربة نمو الصين مشاريع في بانكوك، وهي إنشاء مناطق اقتصادية مشتركة، مع ميانمار، بقيمة تصل إلى حدود الـ 2 مليار دولار.

على المقلب الآخر، تسعى الصين إلى ضخ الكثير من الأموال للاستثمار في بانكوك، لا سيما في القطاع العقاري.

في بداية العام 2020، حال دخول خطة مدينة بانكوك الجديدة وضريبة الأراضي الجديدة حيز التنفيذ. ففي تايلاند، يختلف التعامل مع الأجانب عن المشترين المحليين عندما يتعلق الأمر بالضرائب على عمليات شراء العقارات والمبيعات، فقد كان المشترون الأجانب يقومون بدفع ضرائب جمركية أكثر من المشترين المحليين. أما في الفترة الأخيرة، فقد اختلف الوضع كثيراً، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدل شراء العقارات من قبل الأجانب، وخاصة الصينيين.

كما تأجلت إقامة جزء من السكة ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق الصنية التي تمر عبر تايلند بقيمة 5.2 مليارات دولار بسبب خلافات تتعلق بالتمويل والقوانين الحمائية المرتبطة بمسألة العمالة.

المشروع الذي كشف عنه الرئيس الصيني شي جين بينغ في 2013 تحت مسمى "حزام واحد طريق واحد" يستهدف ربط الصين بإفريقيا وآسيا وأوروبا عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديدية والطرق والتجمعات الصناعية.

ووفق بعض التقارير، فقد تم التعهد بأكثر من تريليون دولار لإنجاز خطة إحياء طريق الحرير القديم، وتشمل الخطة مشاريع مقترحة في أكثر من 65 دولة، من بينها إندونيسيا وباكستان وتايلاند وميانمار ولاوس وقرغيزستان.

ليفانت نيوز_ خاص

إعداد وتحرير: عبير صارم

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!