الوضع المظلم
الإثنين ١٥ / يوليو / ٢٠٢٤
Logo
  • فظائع داخل مشافي النظام السوري: قصة البقاء على قيد الحياة في مشفى تشرين العسكري

فظائع داخل مشافي النظام السوري: قصة البقاء على قيد الحياة في مشفى تشرين العسكري
النظام السوري \\ تعبيرية \ متداول

اعتقد السجّانون في "نظارة مشفى تشرين العسكري" بدمشق أنهم أجهزوا على الشاب السوري محمود، بعدما انقطع نفسه لمدة ربع ساعة، مما دفعهم لوضعه بجانب جثث المعتقلين، الذين قضوا بجواره بسبب القتل والتعذيب.

لكن "قشعريرة مؤلمة من أصابع قدمي الشاب" امتدت إلى بقية أعضاء جسده، جعلت قلبه يعود إلى الحياة، ليروي شاهدًا على فظائع وحوادث وحشية حدثت داخل مشفى يُعتبره النظام السوري مكانًا للرعاية الطبية، ولكن الواقع يكشف عكس ذلك.

تكشف دراسة طويلة أصدرتها "رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا" عن آليات القتل والاختفاء داخل المشافي العسكرية التابعة للنظام السوري. تركز الدراسة بشكل خاص على "مشفى تشرين العسكري بدمشق"، وكيف تحول إلى "مصنع للقتل والدفن بصمت".

استندت الدراسة إلى 154 مقابلة مع 32 سجينًا سابقًا، وتفصل بنيتها إلى 6 أجزاء لتوضيح هيكلية المشافي العسكرية وأهمية "مشفى تشرين العسكري" بشكل خاص.

 

اعتقل محمود الذي يقيم الآن في إحدى الدول الأوروبية، في أغسطس 2014، بعمر السادسة عشر، بسبب مشاركته في المظاهرات المناهضة للنظام السوري. وبعد تعرضه للتعذيب لمدة عامين، أُفرج عنه في أغسطس 2016، بعدما اضطرت عائلته لدفع أموال طائلة. 

ويروي الشاب لموقع "الحرة"، حيث يقيم في أوروبا الآن، قصته التي بدأت من سجن صيدنايا العسكري سيء الصيت، وصولا إلى مشفى "تشرين العسكري" في دمشق، بعدما نقل إليه، بسبب إصابته بمرض السل.

ويقول محمود: "كانوا يحملوني ويضربوني بالأرض في نظارة مشفى تشرين العسكري. استمر هذا ربع ساعة وتوقعوا بعد ذلك أنني انتهيت، فوضعوني مع الموتى. كانت الجثث توضع فوق بعضها البعض، وجاء نصيبي فوق جثتين.. ثم وضعوا فوقي اثنتين أخريين..".

وبعد حوالي نصف ساعة "أخذت أصحو".. يضيف الناجي مستذكرا لحظات لا يتمنى أن تعاد مرة ثانية: "سرت قشعريرة مؤلمة في جسدي بدأت من أصابع قدمي وامتدت تدريجيا إلى باقي أعضاء جسدي. تحركت قليلا فوقعت الجثتان من فوقي".

صاح محمود بعد ذلك بشكل مهول وبصوت "لا يدري من أين أتى"، وحتى أنه ظنّ حينها أن "كل من في مشفى تشرين العسكري سمعه".

ويتابع: "شعر الشاويشة الشبيحة بالخوف فهرعوا إلي ثانية. ضربوني على رأسي وبطني وكليتي وعلى كل مكان. رغم ذلك لم أتوقف عن الصراخ. صار أحدهم يبكي ويقول: مشان الله سكتوه.. وهم يستمرون في ضربي".

وبعد خروجه حيا من المعتقل، روى الشاب الناجي لأحد الأطباء ما حصل معه داخل "نظارة مشفى تشرين العسكري"، وأخبره الأخير أن "قلبه توقف ومن ثم عاد إلى الحياة. وعندما شعر بالقشعريرة كان الدم قد بدأ يضخ مجددا".

وهذه القصة هي واحدة من بين آلاف القصص المرعبة داخل المشافي العسكرية بسوريا، والتي لم يسبق أن سُلطت الأضواء على دورها في عمليات قتل وتصفية المعتقلين، ومن ثم دفنهم "بصمت".

وتوصلت الدراسة التي أصدرتها الرابطة الحقوقية، إلى أن الإجراءات التي يتبعها نظام الأسد في هذه المشافي، بدءا من دخول المعتقل ووصولا إلى نقل ودفن جثته في المقابر الجماعية، تعطي تأكيدا على أنها "سياسة متعمدة".

وتتم هذه السياسية بتواطؤ مؤسسات رسمية مختلفة، بما فيها الطبية، التي يتصدرها مشفى "تشرين" في العاصمة السورية، والواقع في منطقة برزة.

"الذهاب إليها رعب"

منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي، كان "مشفى تشرين العسكري" بدمشق مكانا تتفاخر فيه السلطة في سوريا، وتتحدث عن جهوزيته ومهارة كوادره الطبية، ولم يكن له وجود على خرائط التعذيب والتصفية، حتى استعصاء سجن صيدنايا في 2008.

لكن بعد هذا التاريخ برز اسمه كمكان لتصفية المعتقلين والسجناء المتمردين، أو الذين فضلوا الذهاب إليه هربا من أزمة التمرد في صيدنايا، ولقوا حتفهم هناك، وكذلك الأمر لبقية المشافي العسكرية التي خرجت منها صور قيصر "الشهيرة"، ويحاكم بسب الجرائم المرتكبة فيها، طبيب التعذيب علاء موسى في ألمانيا، منذ عام 2020.

 و"قيصر" ضابط سوري منشق سرب آلاف الصور لجثث معتقلين في سجون نظام بشار الأسد، وأصدرت الولايات المتحدة قانونا حمل اسمه وقضى بفرض عقوبات منذ 2020 على شخصيات وكيانات، ثبت ضلوعها في جرائم حرب وضد الإنسانية.

وفي حين لا يزال يقبع مئات الآلاف من المعتقلين في سجون النظام السوري، أشهرها "صيدنايا"، فإن الأجهزة الأمنية تنقل قسما منهم إلى المشافي العسكرية، من بينها "تشرين"، وتحول إليه أيضا جثث من قضوا في الأفرع.

ويتم التعامل مع المعتقلين عند وصولهم إلى مشفى "تشرين" ضمن سلسلة محطات، يخيم الموت والتعذيب على كل تفاصيلها، وفق ناجين وموظفين سابقين تحدث إليهم معدو الدراسة.

وكشفت الدراسة دورا تلعبه مفرزة "الشرطة العسكرية" ومفرزة "المخابرات العسكرية" في المشفى، في عمليات التصفية و"طمس الجرائم".

وتتولى الأولى مهمة استلام الجثث واحتجاز المعتقلين في "النظارة"، بينما الثانية توكل بمهمة مراقبة العاملين والإشراف على تحميل الجثث ونقلها بسيارات مختلفة إلى المقابر الجماعية.

في غضون ذلك، تتولى أقسام داخل المشفى دورا أيضا، من بينها "الإسعاف البديل" (يختلف عن قسم الإسعاف الرئيسي)، والذي يعتبر المحطة الثانية التي ينقل إليها المعتقلون، ليتم نقل من يموت منهم إلى "الطبابة الشرعية".

وتوكل لـ"الطبابة الشرعية" مهمة دور الوسيط بين المفرزتين العسكريتين، والتي تتمثل بـ"إضفاء الشرعية على الجريمة، من خلال تزييف وقائع الوفاة، ونسب أسبابها إلى ظروف طبيعية كالسكتة القلبية"، كما جاء في الدراسة.

ويقول الشاب الناجي محمود: "عندما يذهب أي شخص إلى المشفى يضع في باله دائما أنه سيتلقى العلاج. لكن هذا المشهد يختلف جذريا بالنسبة للمعتقلين، لأنه يعرف (المعتقل) أنه سيُعذب ويُقتل فيه. هنا الفاجعة الكبرى".

ويروي رعب المحطة الأولى في "تشرين"، التي ينقل إليها المعتقلون من السجون.

ويطلق على هذه المحطة اسم "النظارة"، وهي كما تشير الدراسة عبارة عن "غرفتي توقيف للمعتقلين، تضم عناصر من (الشرطة العسكرية) و(المباحث العسكرية)، وفور الوصول إليها لابد من وجود جثة أو جثتين أمام بابها".

ويضيف الشاب: "تضم النظارة أو كما تسمى أيضا بـ(الزنزانة) عناصر ومساعد وشاويش، توكل إليه مهمة قتل وتعذيب المساجين المرضى".

و"الشاويش" يكون عنصرا من قوات النظام السوري أو تشكيل "الدفاع الوطني"، احتُجز بسبب تهمة جنائية، وفق الدراسة، وتم تجنيده من قبل السلطات لقتل المعتقلين.

ويتابع محمود: "قتل المعتقلين وأوامر التنفيذ من جانب المساعد تأتي بغرض التخلص من المرضى المعتقلين، قبل أن يتم نقلهم إلى مركز تحليل الدم".

ويفصل بين "النظارة" ومركز تحليل الدم حوالي 150 مترا، ولذلك يحاول العساكر داخل النظارة والمساعد المسؤول "الإجهاز على من يعتقدون أنه سيسبب همّا لهم في حال مات وسط الطريق، وتتطلب عملية نقله جهدا".

"عناصر مفرزة الشرطة العسكرية والمساعد المسؤول عن النظارة كانوا يأمرون الشاويش بأن يقتل المعتقلين المرضى، كي لا يضطروا لحملهم في الطريق".

ويكمل الشاب: "ببساطة يعطونه عصا صغيرة وعليها خيط. هذه هي الطريقة التي كانت تتم فيها تصفية المعتقلين بالخنق".

وعندما كان الشاب مريضا بالسل في صيدنايا نقل إلى "النظارة" لأكثر من 4 مرات.

ويوضح أن "90 بالمئة من المعتقلين الذين ينقلون إلى مشفى تشرين لا يعودون"، وأنه في إحدى الحالات نُقل مع 20 معتقلا إلى "النظارة"، "عاد منهم اثنان فقط على قيد الحياة".

في غضون ذلك، نقل معدو الدراسة عن ناجٍ من التصفية في "تشرين العسكري" قوله: "كان المساعد يفتح باب النظارة ويقول لمعتقلي الدفاع الوطني: ما بدي أسمع ولا صوت.. اشتغلوا على الهدا".

وكشفت دراسة الرابطة الحقوقية إجراءات التعامل مع المرضى المعتقلين في مشفى تشرين العسكري، بدءا من وصولهم، وحتى خروجهم منه (أمواتا في الغالب).

وجاء فيها أن "عناصر (مفرزة الشرطة العسكرية) كانوا يدوسون على الجثث مع الكادر الإداري والطبي في (تشرين)، في أثناء عملية التوثيق والتصوير، وقبل أن تنقل إلى المقابر الجماعية، انطلاقا من (قسم المرآب)".

ويوضح محمود أن "تصفية المعتقلين كانت تتم داخل الزنزانة (النظارة)، وتبقى الجثث فيها حتى تأتي سيارات النقل".

ويقول إنه اضطر إلى "نقل جثث المعتقلين إلى سيارات مغلقة تسمى (فانات)"، مضيفا: "كنا نضع الجثث فيها، ونتفاجأ بوجود أخرى تعود لأيام".

و"تترافق عملية نقل المعتقلين من مراكز الاحتجاز إلى المشافي العسكرية باعتداءات وحشية، تصل إلى حد فقدان الحياة في أكثر الحالات"، وفق دراسة الرابطة الحقوقية.

وتشير إلى أن "عناصر المفرزة العسكرية يجبرون المعتقلين على تجميع جثث من يفقد الحياة عند الباب الخارجي للنظارة، وفي مرحلة لاحقة يجبرون أيضا على وضعها في الآليات المجهزة للنقل إلى المقابر الجماعية".

ويقول الشريك المؤسس في الرابطة الحقوقية، دياب سرية، إنهم ركزوا في الدراسة على شكل المعاملة التي يتعرض لها المعتقلون داخل المشافي العسكرية، وفي مقدمتها "تشرين".

ويوضح مفارقة مؤلمة داخل المشفى المذكور، شارحا أن "جرحى قوات النظام ومسؤولوه يدخلون إلى تشرين ويتلقون كامل الرعاية الطبية"، وحتى أن "القتلى تسلم جثثهم لأهاليهم وبتقرير مفصل من الطبابة الشرعية".

ويضيف :"كما يخرج قتلى النظام من مشفى تشرين العسكري بمراسم جنائزية مع عزف الموسيقى، وهو مشهد يختلف عن ذاك الخاص بالمعتقلين، الذين يقتلون فيه بصمت، وتدفن جثثهم في مقابر جماعية، دون أي تقرير من الطب الشرعي".

ويضيف سرية لموقع "الحرة": "ما سبق يعكس المعاملة التي كانوا يعاملون فيها المعارضين والمعتقلين من قتل وتعذيب ورمي الجثث مثل الرمل، وصولا إلى إخفائها ودفنها في مقابر جماعية بتقارير مزيفة".

ويتابع الحقوقي السوري والمعتقل السابق في صيدنايا: "هناك تزييف للحقائق وشهادات الوفاة في المشافي العسكرية. الشرطة هناك لا تسلم الأهل جثث ذويهم، ولا أي معلومات دقيقة عن أسباب الوفاة".

و"لا تقتصر هذه الجرائم على مشفى تشرين، بل تشمل جميع المشافي العسكرية، من بينها (حرستا) و(601)، وهذان لهما دور في إضفاء الشرعية على جرائم القتل تحت التعذيب، والمساهمة في طمس الأدلة"، وفق سرية.

ويتم توقيع شهادة وفاة المعتقلين، داخل "تشرين العسكري" من قبل رئيس قسم الطب الشرعي ومن ضابط الإدارة. وفي حال عدم وجود هذا الضابط، يتم توقيعها من أي ضابط موجود، كما تورد دراسة الرابطة الحقوقية.

وبعد ذلك، يتم وضع ختم الديوان، ويرفع التقرير للشرطة العسكرية، التي تقوم بكتابة التقرير وترفعه إلى المحكمة المسؤولة عن المعتقل، ومن ثم توزعه على أمانة السجل المدني.

"إفراغ الجثث مثل الرمل"

وكانت القناة الرابعة البريطانية قد نشرت، في 2012، أدلة مصورة قدمها موظف سابق في المشفى العسكري بحمص، تظهر المسعفين وهم يعذبون المرضى، كما تصور أجنحة مليئة بالجرحى مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين، وبعضهم يحمل علامات الضرب المبرح.

وتتم حاليا في ألمانيا محاكمة الطبيب، علاء موسى، بتهم تتعلق بارتكابه أعمال تعذيب في مشفى "تشرين العسكري" بمدينة حمص.

من جانبها، تقول منظمة "هيومان رايتس ووتش" في تقرير تحليلي لصور قيصر، إن معظم الصور التي تم التقاطها تعود إلى المشفى العسكري 601 في المزة بدمشق، وباقي الصور في "مشفى تشرين العسكري".

اقرأ المزيد: النظام السوري يُعيّن سفيراً لدى تونس.. عقب سنوات من المُقاطعة

وتشير لجنة التحقيق الدولية إلى 3 مشاف عسكرية (المزة، تشرين، حرستا) كان يتم فيها إصدار تقارير تزيّف ظروف الوفيات الخاصة بالمعتقلين، بطريقة تخفي مسؤولية أجهزة الأمن.

ويوضح الحقوقي السوري، سرية، أن "ما يحصل في المشافي العسكرية، وتحديدا مشفى تشرين من التعامل مع المعتقلين المرضى يمثل سياسة دولة ممنهجة، مما يجعل حالات الإعدام تحت التعذيب أو التصفية أو سوء الرعاية الطبية ترقى إلى مستوى جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية".

ولا يقتصر دور "الشرطة العسكرية" في سوريا على إدارة السجون العسكرية وتنفيذ أوامر القضاء العسكري، بل تلعب دورا محوريا ورئيسيا في "مسيرة التصفية والدفن في المقابر الجماعية والإخفاء القسري".

كما تلعب "الشرطة العسكرية" دورا أساسيا في "توثيق الوفيات في صفوف المعتقلين وغيرهم من قتلى النظام السوري أو المدنيين الذين يسقطون في مناطق سيطرة الحكومة السورية، وتحتفظ بالتفاصيل الدقيقة عن الوفيات حتى عام 2015".

منذ ذلك الوقت، بدأت الأجهزة الأمنية في سوريا تنفيذ إجراءات جديدة تتعلق بالمعتقلين الذين يفارقون الحياة داخل الأجهزة الأمنية، حيث لم يُحال جثامهم إلى المشفى العسكري كما كان الحال في السابق. بدلاً من ذلك، بدأوا في دفن هؤلاء الأشخاص في مقابر جماعية بعد الحصول على تقرير طب شرعي فقط.

تشير الدراسة إلى أن هناك تغييرًا في الإجراءات، حيث تم إنشاء قسم إسعاف منفصل داخل مشفى تشرين العسكري، مما يعزل المعتقلين المرضى ويمنعهم من التواصل مع موظفي المشفى الآخرين. وتسلط الضوء على إنشاء مغسل لسيارات نقل الجثث إلى المقابر الجماعية، مما يشير إلى سياسة مدروسة تم تنفيذها بدقة في مشفى تشرين.

تقدم الدراسة أدلة على أن هذه الممارسات تمثل جزءًا من استراتيجية تم تصميمها بعناية من قبل الجهات المسؤولة عن المشفى، مع توجيه التركيز نحو تخصيص الموارد المالية لتنفيذ هذه السياسة.

ليفانت - الحرة 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!