الوضع المظلم
الأحد ٢٧ / نوفمبر / ٢٠٢٢
Logo
مسؤولية أمريكا عن مجزرة الشعب السوري (القتل بالامتناع)
كمال اللبواني

صحيح أن القانون يطبق داخل الدولة على الأفراد، وليس على الدول، لكن تأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وانضمام كل الدول لها، وصدور ميثاقها المعروف، وتشكيل مجلس الأمن الدولي التابع لها، وتكليفه بمهمة حفظ السلام والاستقرار وضمان حقوق الشعوب وحسن تطبيق الميثاق، يؤكد على وجود نظام وقانون دولي بالفعل، كما أن سوابق تدخله في صراعات ونزاعات مشابهة، تصبح اعتبارياً جزءاً من هذا القانون.

الموضوع تحت سلطة هيئة دولية اسمها مجلس الأمن، الذي أعطى الدول المنتصرة بالحرب مقعداً دائماً فيه، مسلحة بحق الفيتو، وأمريكا هي أهم دولة فيه. فهي مسؤولة بشكل أساسي عن تطبيق القانون الدولي وعدم تعطيله من دول أخرى أقل منها قوة، وسوريا قد أعطيت استقلالها بموجب قرار خاص من الأمم المتحدة، التي ضمن ميثاقها حق تقرير المصير للشعوب، بما يعني ذلك حقها في اختيار السلطة التي تعبر عنها، وعندما قام النظام السوري بقتل وتهجير شعبه وعلى نطاق واسع شمل أغلبية السكان، فهو قد ناقض ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يتطلب تدخلاً من مجلس الأمن، خاصة بعد وصول أعداد الضحايا لأرقام مذهلة.

وعندما تدخلت دول عدة في هذا الصراع الداخلي، بينها ميليشيات تابعة رسمياً للدولة اللبنانية والعراقية ولدولة إيران ثم قطعات عسكرية إيرانية نظامية، وفي الطرف الآخر توافد الكثير من المتطوعين من جنسيات مختلفة، لم يتدخل مجلس الأمن لحل النزاع الذي صار دولياً بموجب القانون الدولي، ورفض إحالة قضية جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لمحكمة الجنايات الدولية، ولم تشكل الدول الدائمة أي ضغط على روسيا والصين التي عطلت النظام الدولي 15 مرة باستخدامها لحق الفيتو ضد تطبيق قانون المؤسسة التي أعطتها هذا الحق. فالشأن السوري ليس قضية داخلية للصين أو روسيا، أو تهدد أمنهما القومي، أو حتى لها حدود معهم. كما لم يلاحظ انزعاج أمريكي من الفيتو الروسي الصيني الذي تكرر بشكل غير مسبوق، روسيا والصين قدمت التبرير الذي يعفي أمريكا من مسؤوليتها على الأقل أمام شعبها والضحايا، فهي تدعي أنها لن تتدخل خارج الشرعية الدولية، المعطلة دوماً بمصالح الكبار، هذا بالرغم من غزوها العراق من دون شرعية، وغزو روسيا لأوكرانيا من دون شرعية أيضاً.

لكن وبدل التدخل بموجب القانون الدولي، لحماية ملايين البشر، تدخلت كل الدول دائمة العضوية في سوريا عسكرياً بشكل فردي، ومنها أمريكا وبريطانيا وفرنسا تحت عنوان التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب عام 2014، وروسيا عام 2015 تحت ذات المبرر، ثم تركيا عام 2018 وهم اليوم يحتلون كامل سوريا، ولا يطبقون فيها قرارهم رقم 2254. بل يطلبون ذلك من وفود جنيف التي شكلوها هم أيضاً.

وعندما عرّفت أمريكا الإرهاب، تجاهلت عن عمد إرهاب النظام وجرائم القتل في السجون والجرائم ضد المدنيين، واستهداف المدن بشكل وحشي، حتى بالسلاح الكيماوي، وتركت جرائم الحرب ترتكب على نطاق واسع أثناء تواجد قواتها وجيشها على أرض وفي سماء سوريا.

عندما أعلن الرئيس أوباما أن الكيماوي خط أحمر، فهذا يفهم منه منطقياً أن بقية الأسلحة مسموحة، فالممنوع هو نوع السلاح وليس ارتكاب الجريمة. وبعد أن كرر النظام استخدامه رغم التحذير، أجبرته أمريكا على تسليم سلاحه الكيماوي فقط، وليس وقف جريمته ضد الشعب، مع أن أدوات الضغط وطريقة التنفيذ كانت قادرة على تنفيذ أمور أخرى تنهي مأساة الشعب. وهكذا صدر القرار 2118 عام 2013 تحت البند السابع، ومع ذلك خرقه النظام عشرات المرات فيما بعد، وأثبتت لجان التحقيق الدولية انتهاكاته، بل الاستمرار في إنتاج وتطوير ذلك السلاح كما حصل في اللطامنة، وتسريبه لمنظمات تصنف إرهابية كحزب الله، ومع ذلك لم يفعّل البند السابع ولم تتصرف أمريكا بناء عليه، وتنفيذه يتم على يد الدول عادة، ولا يتطلب العودة للمجلس ولا لقرار ثان، طالما أن الأمم المتحدة ليست سلطة تنفيذية.

بعد الغزو الروسي لسوريا صدر القرار 2254 بالإجماع عام 2015 الذي يصر على إطلاق سراح المعتقلين فوراً والكشف عن مصير المغيبين قسراً، ويطلب تشكيل سلطة انتقالية، على أن يكتمل تنفيذه خلال ١٨ شهراً، لكنه و بعد سبع سنوات ما يزال يراوح مكانه، والنظام أنكر وجود معتقلين بعد أن قتلهم، ومع ذلك يؤكد مجلس الأمن والدول النافذة فيه، وعلى رأسهم أمريكا، ثقتهم ودعمهم لجهود المبعوث الدولي، الذي لا يستطيع حتى جمع الأطراف، والذي اعتمد شخصيات سورية لم ينتخبها الشعب بل اختارتها دولتان محتلتان هما تركيا وروسيا، لتكتب للشعب السوري المنكوب دستوراً، ضارباً عرض الحائط بأبسط مبادئ حق تقرير المصير الذي تقره الأمم المتحدة ذاتها والذي يخالف مندوبها صريح قانونها، وهذا طبعاً قد تم بموافقة أمريكية.

 

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!