الوضع المظلم
الخميس ٠٩ / فبراير / ٢٠٢٣
Logo
مفتاح استنهاض المجتمعات مثلث الشعب
مصعب قاسم عزاوي

لتحقيق أي نهضة فعلية في أي مجتمع مهما كان مستوى تطوره الحضري والعمراني والتقني فلا بد أن يتم تأسيس ذاك الهدف النهضوي على أرضية ثابتة تمكن البناء اللاحق على تلك الأرضية من تشكيل اتساق لا بد منه بالحد الأدنى بين المكونات الفسيفسائية التي سوف تشكل لحمة ذاك البناء، والمعقد في تكوينه كحال أي مجتمع يحتوي على العديد من العناصر التكوينية الداخلية المتداخلة والمتشابكة والمتنافسة والمتناحرة في بعض الأحيان.

وأول البنى التي يتحتم على المجتمع تأسيسها وتوطيدها بشكل راسخ لا بد أن ترتبط بالعناصر المحورية التي دونها قد يستحيل على أي مجتمع الحفاظ على ديمومته كمجتمع حي قادر على إعادة إنتاج بنيانه وكينونته الجمعية. وقد يستقيم القول بأن مهمات جللة على تلك الشاكلة لا بد للمجتمع بكليته من تحمل أعبائها وتكاليفها والقيام بواجب الحفاظ عليها، وتعزيز قدراتها التأثيرية في المجتمع.

وأعتقد أن هناك مهمات ثلاثة لا يمكن التراخي بتركها فريسة للخصخصة وقوانين اقتصاد السوق الحر التي لا تبصر إلا ما يمكن تسليعه وبيعه وشراؤه في السوق الكونية الذي لا اعتبار في منظاره إلا لقيمة الربح السريع الممكن التحقيق. وتلك المهمات الثلاثة تتمثل في خدمات الصحة، والتعليم، ورعاية الكتاب والمؤلفين.

فحينما يتعلق الأمر بخدمات الصحة الأساسية الأولية وحتى التخصصية فسوف يستحيل المواءمة بين عنصري السعي لتحقيق الربح السريع الذي يشكل الجوهر الناظم لعمل الآلة الرأسمالية مع هدف أي عمل طبي في المقام الأول، والذي يتمحور حول هدف تخفيف معاناة المريض الجسدية أو العقلية بغض النظر عن قدرته الراهنة على سداد فواتير الرعاية الصحية التي يحتاجها، وبمعنى آخر كما أنه لا يستقيم خلط الزيت بالماء يكاد يستحيل النظر إلا بعين الريبة إلى نسق خدمات صحية مخصخصة ضالتها الأولى تعزيز أرباحها وخدمة أولئك القادرين على سداد فواتيرها بشكل حصري، وحجب تلك الخدمات عن أولئك غير القادرين عليها.

ونفس التوصيف السالف يمكن سحبه على خدمات التعليم من مستوياته الأولى وحتى المتقدمة الجامعية، والتي دونها يصعب تخليق أجيال متعلمة قادرة على تعزيز قدراتها الإنتاجية بقوة المعرفة لتسهم في تحسين مستوى حيواتها وحيوات شركائها في المجتمع الذين سوف يستفيدون من إنتاجها في المستقبل. وبشكل أكثر تبئيراً فإن أي عملية تعليمية لا تنطلق في المقام الأول والأخير من هدف تخليق جيل متعلم مستنير بغض النظر عن أي اعتبارات ربحية مادية مالية أخرى محكوم عليها بالفشل بدرجات كبيرة أو طفيفة، وبمعنى آخر فإن خدمات التعليم التي لا يتحمل المجتمع بكليته أعباءها ويتركها لما يدعى بالقطاع الخاص للقيام بها، وهو القطاع الذي لا يمكن أن يخرج من جسده وتكوينه البنيوي الساعي في كل حركاته وسكناته إلى تقليل النفقات وتعزيز الأرباح، هي خدمات مقصرة وجزئية إن لم تكن مخفقة بشكل شامل عميق.

وعلى سياق النهج السابق يمكن مقاربة العنصر التكميلي الثالث، والذي لا يقل أهمية عن العنصرين السالفين، وأعني هنا تحمل المجتمع لنفقات كتابه ومؤلفيه وحتى صحافته وصحفييه إذا جاز لنا توسعة طيف الكتابة ليشمل الكتابة الصحفية أيضاً. والحقيقة أن إنتاج المعرفة والإبداع ومراكمتها من خلال توثيقها كتابياً في كتب كانت الرافعة الأولى التي مكنت بني البشر من تجاوز الحاجة الملحة لاكتشاف كل ما يلمون به بأنفسهم عبر الاشتباك معه و الاتكاء على نهج التجربة والخطأ والصواب والاجتهاد العقلي والعملي، و هي التي نقلتهم إلى أفق جديد يتمثل في إمكانية استبطان كل معارف السابقين لهم من خلال قراءة ما كتبوه دون الحاجة لصرف الوقت والجهد المضني لاكتشاف ما قام السابقون باكتشافه، وهو ما مهد لتلك القفزة المهولة في القدرات العلمية والمعرفية والتقانية التي دونها لما كان لبني البشر خلال بضعة قرون تحقيق قفزات تطورية على المستوى المدني والعمراني والتقني كان من المستحيل تحقيقها لولا فضائل توثيق معارف وإبداع السالفين كتابياً، والبناء عليها توسعة و إغناء و تطويراً ومن حيث انتهى السالفون، و من ثم توثيقها كتابياً لتصبح نقطة انطلاق أخلافهم من بعدهم في البناء على الأرضية التي مهدها اجتهاد أسلافهم من قبل.

وهنا لا بد أن تحضر أهمية وجوهرية أن يقوم المجتمع بكليته بواجب رعاية مبدعيه وكتابه ومفكريه بنفس الشكل الذي كان يعتقد به سقراط، والذي كان يظن بأن واجب رعاية الفلاسفة وتأمين متطلبات حياتهم الأساسية لتمكينهم من التفرغ للاجتهاد سعياً للحكمة الصائبة كمعنى إجمالي للفلسفة هو من مسؤولية المجتمع الأثيني بكليته.

ورعاية المجتمع لكتابه ومبدعيه بشكل لصيق دون تركهم فريسة سهلة لمفاعيل اقتصاد السوق والخصخصة وقطاعات السعي للربح السريع، والتي لا بد أن تسعى لاستغلال كوامن ضعف النفس البشرية وحاجاتها الأساسية لدفعها باتجاه الانحراف عن السعي الدائب لاكتشاف الحقيقة وإظهارها ناصعة دون رتوش أو أستار، وهي المهمة الكأداء التي طالما كانت ضالة كل مجتهد حر منعتق من «رسن الجوع الكافر»، واشتراطات تلبية متطلبات من يمسك بزمام مفاتيح قوته وقوت عياله.

 وهو الانحراف السالف الذكر الذي حول ويحول كثيراً من الكتاب الأحقاق إلى حفنة من المرتزقة والأبواق الدعائية على شاكلة «قلم وصوت للإيجار» لمن يدفع له أكثر. وهي الحال البائسة التي تدَرَّك إلى حضيضها الكثير من المبدعين والكتاب والمؤلفون على امتداد مسيرة التاريخ القديم والحديث المعاصر، وقد يكون أحد أمثلتها الحاضرة في وجدان القارئ العربي حكاية أحد أبرع مصوري الشعر العربي، وأعني هنا أبا الطيب المتنبي الذي تنكس ليصبح مرتزقاً وداعية مأجوراً لمن يدفع له سواء كان خيِّراً أو بائساً. وقد يكون فعل أبي الطيب المتنبي أفضل الأمثلة التي يمكن انتقاؤها في نسق المقاربة الآنفة الذكر، لتجنب إيراد أمثلة مؤلمة جارحة عن كتاب معاصرين وصلوا إلى الدرك الأسفل من الحضيض الأخلاقي بعد انخراطهم في لعبة الارتزاق من كتابتهم، بحيث لم يعد لهم مخرج من إثمهم التراكمي، ولم يعد متاحاً لهم فعلياً سوى زيادة الانغماس في مستنقع آثامهم، وهو المستنقع الذي كان من المحتمل عدم غرقهم فيه في حال كان المجتمع بكليته متحملاً لأعباء كتابه ومبدعيه بحيث لا يضطرون للانحناء، ولي عنق الحقائق لأجل إدراك لقمة عيشهم.

وخلاصة القول بأن الصحة والتعليم والكتابة أحياز جوهرية في المجتمع لا يمكن استدامة المجتمع وترقيته دونها، ولا يمكن تركها لقوانين السوق لتتحكم بها وتحولها إلى سلعات للبيع والشراء. وذلك لا يعني حتمياً بأن تكون تلك القطاعات مملوكة من قبل الدولة، إذ إن رأسمالية الدولة لا بد أن تقود أيضاً إلى التغول على تلك الأحياز الجوهرية، ودفعها باتجاه يخدم مصالح القيمين على مفاصل الحل والعقد في الدولة، والمدراء المفوضين بتحقيق أهداف الجهاز البيروقراطي للدولة، والذي لا بد أن يسعى لتوطيد سلطته والحفاظ على ديمومتها و المكاسب النفعية الانتهازية التي يحصدها جراء إمساكه بمفاتيح الحل و العقد في المجتمع؛ وهو ما يعني وجوب اجتهاد بني البشر لإيجاد أشكال مستحدثة من شروط اشتراكهم بالغنم والغرم سواء من خلال عقد اجتماعي أو ما كان على شاكلته بحيث يمكن لكل مجتمع مهما كان صغيراً الحفاظ على قدرته على تأمين خدمات الصحة والتعليم ورعاية الكتاب والمبدعين على نفقة المجتمع بحيث يصب نتاج تلك الخدمات في مصلحة المجتمع، ولأجل المجتمع بكليته بشكل حصري دون أن يكون مشوباً أو ملوثاً بنزعات تحقيق الربح السريع أو مصالح البيروقراطيات المهيمنة والتي لا بد أن تحرفها عن ضالتها الأساسية وتعيقها عن إدراكها الذي دونه قد يستحيل تحقيق أي نهضة مجتمعية حقة.

ليفانت - مصعب قاسم عزاوي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!