الوضع المظلم
الخميس ١٨ / يوليو / ٢٠٢٤
Logo
  • نوري الجراح و"الأفعوان الحجري": الملحمي والأسطوري والتاريخي في مرثاة حب

  • سيرنادا شرقية لعاشق تدمري وشعر يستلهم البعد السوري في ميثولوجيا المتوسط
نوري الجراح و
نوري الجراح و"الأفعوان الحجري"

"آلهتي لا تراني/ آلهتي عمياء ولا ترى/ وهذا الرّبيع حطامُ خطواتٍ على أرضٍ تتفلق/الضّباب يهجم.. الضباب يهيم على المنحدرات، الضباب يأكل حطب الشتاء، والدرب المتربة وراء البيت/ الضباب يهوي بفأسه ويقصم ظهري". ص 52

بصورة الضباب الذي يلفّ المشهد، أبدأ قراءتي لـ"الأفعوان الحجري..."، للشاعر نوري الجراح، شاعر دمشق، ابن المهاجرين، جار ابن عربي، ابن السفر والرّحلة وأرصفة المنافي، الشاعر المتوسطي بالمعنى الحقيقي، الذي لم يجد ملاذا ووطنا بديلا عن فردوسه المفقود، سوى اللغة، ليترجم تلك الوحدة بين الشّعر واللغة، فعلى هذا الأطلس يمكن وضع نصه الملحمي، الذي يبدأ من نار الحب والحرب، والفقد أيضا، يبدأ من إشارة أو علامة كتبت على قبر ريجينا، "سطر تدمري يتيم في حجر روماني أشعلَ مخيلتي وله أدين، وتدين هذه القصيدة".

يبدو واضحاً من تتابع أعمال الجراح الشعرية، تلك الأنعطافة الفنية، بهندستها، وتلوينها للتراجيديا بالبعد الملحمي والأسطوري والتاريخي أيضا، لدرجة تخيلت معها أن أشعاره جديرة بأن تكتب على أبواب دمشق.

حمل العمل الملحمي عنوان "سيرنادا شرقية، الأفعوان الحجري، مرثية برعتا التدمري، لمحبوبته ريجينا"، الشاعر نوري الجراح، منشورات دار المتوسط ميلانو".2023

يقع الكتاب في 109 صفحات، ضمت عدداً من العناوين، ما قبل القصيدة، إشارة تتعلق بالاسم، الأفعوان الحجري، مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا، ما بعد القصيدة، أصوات وأنشودات، أنشودة ريجينا عند النهر، رامي القوس من تدمرتا، ولادة المحارب المرقش، أخبار بوديكا، مرثية رومانية، لسان النار، أصابع جوليا دومنا المفقودة، مرسوم كاراكلا، في حين جاء الباب الأخير، إشارات، وفيه دليل للقاريء لمعرفة بعض الأسماء والأمكنة والرموز التاريخية، لفك شيفرات النص

فوتوعرافيا شعرية:

يبدو واضحاً علاقة الشاعر بفن التصوير، وما تحمله الصورة من فلسفة، فمن الصور، والمنحوتات يبدأ الإشراق الشعري عند الجراح، صور لمنحوتات، تجسد سور روماني يتلوى كأفعوان حجري، من هنا يبدأ النص الملحمي، لتشكل بعدها عبارة: "لأجل س.ر، خطواتك ما تزال تسمع في الغرفة الأخرى"، عتبة مضيئة، وإشارة للحب والفقد معا، وقد شكّل الصوت، صوت الخطوات، التي ما تزال تحفر في الذاكرة، إشارة إلى ألم الغياب.

 بجمالية لغوية، يأخذنا الجراح في فصول الرّحلة، وأقول رحلة لأن خيط العمل هو الرحلة، والرحلة هنا رحلة المخيلة، ورحلة الحياة والواقع، يُمهد لحكاية الملحمة، بعبارة: "سطر تدمري يتيم في حجر روماني أشعل مخيلتي وله أدين، وتدين هذه القصيدة".

ما قبل القصيدة:

قبل الدخول في عوالم هذا النص الشعري، يعرّفنا الجراح على برعتا التدمري، وحبيبته السلتية ريجينا، "من هو هذا المغامر الذي جاء من الشّرق ليحرر امرأة ويسميها ريجينا، مستفزاً ومتحدياً النظام العبودي لروما؟"، "لأمواج حملتْ مركبي جهة الغرب وصرتُ في جيش قيصر". ص 5

الشعر سفر:

في هذه الـ"سيرنادا الشرقية"، ملمح أولي، هو الرّحلة، في المخيلة و التيه والمنفى، والموسيقى، و النشيد الكوني، والصورة أيضا، وهو الشاعر الذي خرج من مدينته دمشق في الثمانينات، إلى بيروت وقبرص واليونان وإنكلترا، والأندلس، وعرف بأن الطريق حرية، ومعرفة أيضا، وهو ما يؤكده في إشرافه على "المركز العربي للأدب الجغرافي"، و"جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة"، في لندن وأبوظبي.

الرحلة التي فتحت أمامه باب الحياة ليطأ الأرض، وكأنه مقتنع بعدم المكوث في مكان واحد، وبحركة مستمرة ليترجم الحياة، أو ليقول: "إلهي أعرني انتباهك".

الأسطورة والحداثة:

يبدو واضحاً انزياح الجراح  في الكثير من أعماله، نحو البعد الأسطوري والملحمي،  "رسائل أوديسيوس"، و"قارب إلى لِسبوس" إلى جانب،"لا حرب في طروادة، واليوم "سيرنادا"،  اللجوء إلى هذا َ الملحمي، والأسطوري، كما قال لي في دردشة سريعة، "لا بد للشعراء من تجاوز مأزق الدوران في حلقات مفرغة، ولا بد أن يجترحوا كلّ على طريقته مخرجاً من هذا المأزق"، وفي هذا السياق يأتي "سيرنادا شرقية،" كمحاولة ليس فقط في الرؤية، و إنما في استعادة المجد السوري، ببعض الرموز الثقافية، والوجوه والآلهة، وأسماء الشعراء السوريين الإغريقيين، إلى جانب أهم الأعلام  جوليا دومنا التي فقدت عدداً من أصابعها، حرب الأخوة، حضور أسماء أمكنة، مثل أغورا، الساحة التي كان يتلاقى فيها الفلاحون والفلاسفة في أثينا منذ القرن الخامس قبل الميلاد"، وهنا يستحضر كبريات المدن الشرقية، تدمر، والإسكندرية، وصُور ودمشق، ليكتب هذا النشيد الملحمي، بلغة تعانق الطبيعة، والفصول، والجرح أيضا.

هذا الكتاب محاولة، في هذا السياق، يحبب القاريء بالشعر في صيغ جديدة، ويفتح أفقاً للجرح التراجيدي السوري، في لغة الشعر، وفي انتباه العالم. يرى الجراح بأن "دمشق تستحق قبيلة من الموهوبين والمؤمنين بها، فهي أكبر من جغرافيتها، إنها منارة الشرق، ولا بد لنا أن نحرر هذا المكان الكوني من الطغيان، بالمعنى الرمزي للكلمة".

من هنا يحيل الشاعر القارئ في "إشارات"، إلى مراجع ومصادر لهذه الملحمة، التي تحتاج إلى قارئ عاشق.

ويضعنا أمام فوتوغراغيا شعرية، أمام منحوتات وصور، وبطولات، وغربة، وألوان من البشر، وآلهة، حتى تبدو شعرية هذا الدمشقي كونية، وإلا "لايستحق انتماءه إلى هذه المدينة الأزلية، وفي هذا السياق يحضر الضليل "امرؤ القيس"، وليس صدفة أبدا، يحضر إلى جانبه كشاعر دمشقي، وكأنه يريد أن يستعيد ذلك المجد الضائع، فيما تسير لغة النص بجمالية سحرية، كمن يشتغل على المنمنمات، والأرابيسك، أو من يطرز بروكار دمشقي، الغرفة، مدفأة الحطب، صورة البيوت والأمهات، ومن يعرف دمشق، يقول إنها هي.

ما بعد القصيدة:

في "أنشودة ريجينا عند النهر"، يقول: "لو كانت عندي أخت تمشط لي شعري ما حاجتي إلى نهرٍ أو مرآة/ لننتظر مراكب الصيف، قال برعتا، ففي مراكب الصيف يصل التاجر الفينيقي، وفي صندوقه أخطفُ المرايا، صنعت في أسواق صيدا، نحاسية ومزججة، ولها إطار من اللازورد، وجراب من جلد الغزال ونقشُ تميمةٍ لبوصيدون".

وبإشارة أخرى يستحضر "سايتادا"، إلهة الحزن عند السلتيين، "سايتادا.. يا أمي الصغيرة/ لوكان عندي أخت تمشط لي شعري، وفي جوارنا يمرُّ الماء، ما حاجتي بالمراكب والمرايا"، هذا التنامي في النص، في الحنين، في البحث عن الوجوه الغائبة، بلغة الماء والخصب، وهنا لا بد أن يلتفت القارئ، ويقول سمعت صوتا في الوادي البعيد، لهذا يؤكد الجراح بأن "الشعر لا ينفك عندي عن الأسطوري، كونه يتخلق في ماء الأسطورة، وهو في أصله أسطوري مادام يوصف بأنه سحر، وأن شاعره نبي من نوع ما".

لوحة شرق أوسطية:

الغناء طريق، "كيف قيض لفتى لوّحته شّمس تدمر، أن يحيط بذراعه السّمراء خصر فتاة سلتية ذات جديلة حمراء، ويهيم بها على التلال المشبعة بالخضرة في جوار سور هادريان نزولاً إلى نهر تاين، حيث يجدف بالمراكب الصغيرة رجال سمر من نينوى عائدين بالأحمال من السّفن، وهم ينشدون بأصوات شجية ترانيم أشبه بصلوات غريبة". ص7

هؤلاء الرّجال القادمين من ضفاف الفرات، "التحقوا بأساطيل سيبتيموس سيفيروس، ليكونوا عمالاً ومراكبية في ظلال سور روماني يتلوى كأفعوان حجر".

يستعيد الجراح منحوتات لأباطرة رومان، وأميرات تدمريات، وحروب، لإعادة تكوين اللحظة الهاربة، وجعلها لحظة انتباه، الألوهة الهازئة المتهكمة، وكأنه رد منطقي على الشر الذي بات عاريا، وأصبحنا نحن في مشهد قيامي، هو المشهد السوري.

استعادة الأسطورة وإعادة إنتاجها، وما علينا إلا الإنصات للصوت، للصدى، ولبرهات الصمت، والمونولوج الداخلي، الحب الملاحق بالغياب، ثم الحكم القدري بأن نصير معا في عالم سفلي موقّع بأحرف تدمرية، ما يهم هنا أو هناك، ألا تكفي المخيلة، ألا تكفي نجمة الشعر لنسير نحوها في ليل المعنى؟

إشارات المعنى والتيه:

 يبدو واضحاً أن الجراح يبحث أبداً في مدن يزورها، عن مدينته، أو عن أي سرّ يربطه بها، فيحضر الحب الملاحق بالموت، ليشّكل قيامة أخرى، ولادة لنص، حيث تصبح القصيدة حياة، نجد أن عبارة كتبت على قبر ريجينا، بخط تدمري، شكّلت شرارة ولادة هذه القصيدة الملحمة، هذه التجربة التي تحققت باللغة، إذ ثمّة شيء يأتي من مكان داخلي، ينبغي علينا أن نعيشه كولادة جديدة، رحلة في زمن متداخل مع أضداده من الأزمنة، تتحق ذات الكاتب في مكان ما هو اللغة، وليس أمام المنفي سوى الكتابة كي يستعيد الوطن، ثم يسافر نحو الأقاصي.

هل يبحث المسافر عن سرّ الشعر في صورة الغياب، يلوب عليه، كمن يلوب عن نفسه، يبحث عن سرّ الشعر كوجود، في عملٍ يتجاوز اللغة ويعيد بناءها مجدداً، من موت عاشقين، من جملة كتبت على ضريح، وما يكمن وراءها من منفى، بل ما وراءها من إنسحاب المدن إلى ركام، وانسحاب أهلها إلى التيه والغرق.

يستحضر الشاعر المدينة الهيلينستية، ليشير إلى التراجيديا السورية، محملا أياها أسطورية، بل يمد مخيلته نحو علاقة متوسطية، تشابهات وقرابات، حروب وأمبراطوريات.

أوديسيوس وذاك التيه الشاسع، وما يقف وراءه من انتظار بينلوب ورحلة بحر شائكة، فحين نقرأ شاعراً لا بد من محاولة فهم العالم الثقافي الذي نشأ فيه.

بروميثيوس الذي سرق شعلة نار الحكمة من السماء وأهداها للبشر، زيوس وعقابه المجنون، تحضر الرّيح، كرمز للثورة والغضب، يحضر الضباب، بكل ألوان التيه والعماء، تحضر المرأة، من خلال بطل العمل ريجينا، تحضر زنوبيا، غرق بوديكا، جوليا دومنا الأم والملكة، وصراع الأخوة.

أصوات وأنشودات:

عناوين عديدة أصوات وأنشودات ومرثيات، حملتها الأناشيد وتميزت القصائد الشبيهة بـ"الإبيغرامات الميليغرية"، بالصوت والصدى، والمونولوج الداخلي:

"فلأجدف إذن، ليل نهار، ولتسمعني آلهتي وتموت من الغيظ/ ما دمت لن أحظى، ولو في المنام، بمركب يحملني إلى بانياس، والأرجح أن أموت هنا ولا أرى سوريا مرة أخرى". 61

هذا المشهد الملحمي، التراجيدي، هو نفس المشهد الذي يعيشه السوري، صوت، يخترق الصمت، صرخة في وادٍ كوني، "ومادامت كل الطرق تؤدي إلى روما، فلتصل إلى روما إذن، على كلّ تلك الطرق كل العربات" 80

الحب الملاحق بالموت:

"يتساقطون تحت السهام

على أجناب

وركب

وجباه

هل كانوا يدفعون ثمن الحب؟!".

«الأفعوان الحجري» نص مفتوح على الصورة والموسيقى والأسطورة معا، ببعدٍ ملحمي وحداثي، الكتابة بوصفها دالًّا للأسطورة الأدبية، "أي شكلًا مملوءاً سلفًا بمعنى لغوي يَتلقَّى من مفهوم الأدب السائد في عصره معنًى جديدًا"، هوما أكده بارت في كتابه هسهسة اللغة، وهنا لا بد من السؤال، هل الزمن موجود لنعيشه أم مفقود لنبحث عنه ونستعيده؟

قراءة الرحلة وأؤكد على الرحلة، لأنه ثمة صور، وشاهدة قبر كتب عليها بالتدمري، أخذت الشاعر نحو رحلة المعنى، الزمن الشعري داخل النص، زمن فنتازي، نشمُّ فيه رائحة زمننا، ومكاننا أيضا، وهنا في النص يحضران معا، من خلال الآلهة، العلاقات القادمة من الماضي، كل هذا في لغة تجيد حياكة ملحمة شعرية، تتواشج مع عالم أسطوري، وكلها تتوجه إلى ذات الشاعر، إلى أناه الطافحة بالعشق والفقد، وعيناه على دمشق، وقلبه على تدمر وحبيبته المأسورة، ومفردة الحرية، وهنا يتجسد الحب في مفهوم الحرية.

الأسطوري في معانقة التراجيديا:

طالما ارتبطت أعمال شعرية حديثة بالأسطورة، الشاعر (ت. س إليوت)، والسياب في أنشودة المطر، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، إلى جانب شعراء النصوص الملحمية مثل محمود درويش، في "أحمد الزعتر" و"الجدارية"، وسليم بركات في "ديلانا وديرام"، وحسان عزت في "زهوة الماتادور"، و"ترنيمة نقار الخشب"، وبالتأكيد نوري الجراح، في أعمال متعددة.

لماذا ارتبط نوري الجراح بكتاباته الأخيرة بالأسطورة، والشعر الملحمي، وإلى أي درجة دفعت التراجيديا السورية، نحو هذا الانزياح نحو الأسطورة، وثقافة البحر المتوسط لا سيما الهيلنستية التي تشغل سوريا جغرافية مركزية لها تجمع الأغريق والرومان إلى المكونات السورية القديمة عبر اللغات الآرامية، ومغامرة الهلنستية عبر المتوسط وصولا إلى أعالي الجزيرة الإيبيرية مرورا بالشمال الإفريقي، إلى جانب رصد تطلع روما غربا ومغامرتها في احتلال إنكلترا؟

نحن أمام نص شعري ملحمي مشغول بلغة وإشارات، وإحالات إلى مراجع، وصور ومتاحف، وأساطير، وكأنه ينتج لحظات سحر خاص، إرادة السفر إلى الفضاء الأرحب وهذا مفتاح الإبداع بعامة، يقول أيف بونفوا: "إن ما أدعوه شعرا هو الحاجة إلى أن نعيد إلى الحقائق وجودها الكامل، الحاجة إلى أن نعيد لها ما هو متعدد وحتى حرفيا ما هو لامتناهٍ " ص 18.

هنا في هذا النص المفتوح على ثقافات وأساطير وأخيلة أيضا، نجد أن المنحوتات والصور تمسك بيد الشاعر الذي يؤكد بأن العلاقات الإنسانية تنتشر في كلّ الاتجاهات الممكنة، من بين هذه الاتجاهات تقف سوريا بمدنها المتألقة: صور، صيدا، تدمر، ملكتها ورجالها، وامتداداتها نحو حواضر حوض المتوسط، كمسرح حقيقي للنص، يقول:

"هل يمكن أن أكون لولا أنك هنا يا ريجينا؟

لولا أنني هبة اللات لروح الغابةِ/ وأنت مرحُ الضّوءِ بعد طيش الغزالة

هل كان يمكن لي أن أفتّك يدكِ من مخلب النِّسر، وأُعطي راحتي لقدمك المجنحةِ،

لولا أنني التّدمري الذي أبدل الكتان بالسيف،

وقدّمَ لبعلَ قلبَهُ ليكون الأضحية؟" ص 54

هنا إشارة للمكان، تدمر، التدمري، وإلى ريجينا الأسيرة حبيبته السلتية، إلى الحب واقتفاء أثر الحبيبة، "هل يمكن أن أكون لولا أنك هنا يا ريجينا؟"، وكأن الشاعر نفسه يسير على الحبل كي يختبر الحياة ويكتبها، في إشارة إلى المتوسط وهو الذي قال: "المتوسط بلاغة النشيد الكوني/ المتوسط سرّة العالم وبحيرة المصائر وضفاف الثقافات"، وهذا عنوان محاضرة له، تترك أثرها في النص الشعري.

إن الجراح مسافر رحالة جوال، وهو شبيه في ذلك إلى حد بعيد بدراويش المتصوفة، لأنهم بحاثة قلقون، يمتلكون حساسية خاصة، فكيف بابن دمشق، ابن المدينة التي سقطت سهوا من الجنة، كيف تراه يسافر في اللغة، كيف يستحضر وجوهاً وأصواتاً ونصوصاً وإحالات، ومنحوتات، ليقول دمشق في تألقها الحضاري، وبعد أن تخضبت بالدم.

 

مغنٍّ جوال:

يلعب الجرّاح بالخيال، يجرّب المستحيل، كمغنٍّ جوّال، الشعر هنا تماهي مع الزمن، طريق بين الشاعر والحلم، يلجأ إلى الشعر ليستعيد العلاقة مع هذا المتناهي المنسي، يعيد لنا الشعر، وكأنه يعيد إلى الحقائق وجودها.

"لست حامل بيارق، لكنني تاجر أقمشة من الشرق/ في العاصفة وقد جُزنا بحر الروم صليّتُ لك يا عشيرة، وأنت ربّةُ هذه الأمواج، لك صليّتُ، وللبعل أعطيت أمنيتي". 19

انسياب اللغة بجمالية الرجاء والتمني والحلم، بموسيقا، بغنائية، لك صليت، هذا التأكيد على ارتباطه بتدمر، بأيل، وإلهة الموج، تحضر الصور، المنحوتات، لتعيد لنا رائحة الحب والتاريخ، وتلك العلاقة الحضارية بين سوريا وأوروبا، العلاقة المنسية، والتي يشكل فيها المتوسط لحظة عبور نحو الحلم، وهو ما يقوم به الجراح، يوقظ المخيلة، على مسرح النص المفتوح على فضاء معرفي، وحلمي وفانتازي أيضا.

شكّل زمن الحب تيمة رئيسة في النص، زمن متدفق، تقوم على جوانبه حكايات محبوكة تماما مع هذه الملحمة الشعرية.

الذاكرة، أو التذكر، وربما استعادة ضوء العلاقات تشكل طاقة الديمومة والتغير المتدفق إلى اللانهائي داخلنا، صورة متجددة للحياة والأحداث، والأساطير، لتكون ابنة هذه اللحظة. فالأدب يمتلك طاقة على استعادة الزمن، لبعث تلك اللحظة الإنسانية في النص الشعري، وربما في لوحة أو عمل موسيقي.

خلال ثمانين صفحة، حملت عناوين متعددة، في مسار شعري وكأننا في رحلة، من أميسا إلى جبيل والفينيقين وأقوام وجماعات تساكنت في بلاد الشام، مرورا بالمغرب والجزائر، واليونان، وإيطاليا، وبريطانيا، رحلة حول بلدان المتوسط، والتي تؤكد العلاقات الحضارية في المسار الشعري عبر الأزمنة والأمكنة التي اختارها مسرحاً  لنصه، من خلال توظيف مرجعيات ثقافية ذات طابع كوني، شكّلت كيماء خاصة مع لغة النص، والذي يعكس صيرورة القراءة، كونها (الكتابة)، نشاط في حيّز القراءة يقوم، وتشكل الأسطورة شكلا من أشكال التواصل، لغة، نسقاً ومعنى، والكتابة كما أشار بارت دالا للأسطورة الأدبية، وهنا يمسي الشاعر بروميثيوس حامل شعلة النار.

هندسة النص:

يشتغل الجراح على هندسة النص، بإحساس عال، ولغة ممسوكة بخيط الشعر والفن، وبالتالي العناية بالنص ككل وبتفاصيله وعناصره الداخلية، شاعر تربى على ثقافات متعددة، أستحضر هنا عبارة لفيرا بافلوفا، "الشعر لن يحمل إلا ما هو في حياتي"، وربما الألم هو الذي يقتاد حياتنا، وهو ما نلمسه في اختياره لعنوان كتابه، وتوقفه عند مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا، موقفه المتناقض وهو التدمري الروماني، الذي حارب السلتيين، وأحبهم بنفس الوقت، ندخل مجاز اللغة، "كيف استردك من صمت الغابة وتيه النهر، كيف لي"، يعيدنا هذا إلى أورفيوس، إلى ناياته في بحثه عن حبيبته.

"كان يمكن أن تكوني لي، بالمغزل والصوف، ويكون لي فراش في حجرة، وحطب في جوار موقد". 27

لحظة شعرية، مضاءة بالحب، الغرفة كمكان حميم، البيت، الحطب، والنار كرمز يحيلنا إلى بروميثيوس الذي سرق شعلة نار الحكمة من السماء وأهداها للبشر، وإلى زيوس المجنون والعقاب الرهيب.

وكأن الشعر بالبعد النوراني تعميق لفكرة الانتظار، يقول أوكتافيو باز: "أيها الشاعر لا بدّ لك من فلسفة قوية"، وهذا يردنا إلى أن الشعر آتٍ في عناقه لأعماق التاريخ، أعماق الإنساني.

الضباب إشارات:

"ما في نخلة هنا ولا أرزة ولا حتى شجرة زيتون تضيء الرابية"24

الإحساس بالغربة، موت الحبيبة، الموت الذي يحيل كلّ شيء إلى صمت "كَيْفَ أَسْتَعِيْدَكِ مِنْ غَابَةِ الذِّئِبِ"، الصمت صوت معادل للموت، الغابة هذا المكان المفتوح على الغموض، كما يقول باشلار، ومن ثم الضباب، الضباب الذي يحمل معان عديدة، أحيانا رومانسية، ولكن في النص أخذ معنى الغموض والحيرة وحدود الخطر، والتيه، والوحش.

"الضباب يهيم على الحصون الواطئة"

الضباب يفترس الأقواس والرماة"

الضباب يلتهم الحجارة والسور ويهيم على النهر، والذين تساقطوا من الحصون المرجومة بالبلطات والفؤوس/ سقطوا في حفرة الشتاء/32

"أين هم الرّماة التدمريون الذين ملؤوا الأسماع والأزمنة بصيحاتهم المرحة،

نيرانهم الهائجة في أمواج الضباب أرسلت عبير دخانها في الغابات"39

"بنات الندى وصبايا الضباب، اللواتي ضجعن البعل في حقلي"

"لمّا يتفشى الضباب ويلتهم الأشجار التي سمقت"45

"الضباب يلفح وجهي، الضباب يهيم بي" 46

ويخلص إلى القول: "دمي قشعريرة ذئب جريح، وصوتي عواء غابة تحترق" 47

الضباب هنا يوازي الضياع، وعدم الرؤية، والحيرة، صبايا الضباب، الضباب الذي يلتهم الأشجار، وهذا ضمنا يحمل ضياع السوري في محرقة تأكله.

الصّمت فراغ مريب:

النص مفتوح على الصور(المنحوتات)، بما تحمله من دلالات، يستخدمها الجراح لا للتأريخ، وإنما في ترسيخ البناء الملحمي للنص، وإنتاج لوحات شعرية، وكأن المنحوتات إشراقات، في المعنى.

"كاراكلا أطلق النّسر من الهضبة/ وأجاب عن السؤال: ما دامت كل الطرق تؤدي إلى روما/ فلتصل إلى روما، إذن، على كلِّ تلك الطرق كلُّ العربات"80.

جاك دوبان كي أتحدث بكل بساطة فإنه لا جواب عندي لأسئلتكم. أو لا أجوبة مقيتة لسؤال سيء. لسؤال غير ملائم، لا يلائم طبيعة ومعنى الشعر. الشعر الذي لا يحضر ولا يغيب أو يتجلى إلا ليرفض الجواب. ليقترب من السؤال. من السؤال الآخر. من سؤال الذات في العالم، وسؤال الآخر في اللغة.

في سيرنادا شرقية، يتجسد الشعر كغياب دائم، عمل يتجاوز اللغة ويعيد بناءها من جديد.

ليفانت - فاتن حمودي

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!