الوضع المظلم
الثلاثاء ١٨ / يونيو / ٢٠٢٤
Logo
القمم العربية بين الواقع والطموح.. قمة الرياض نموذجاً
عيد النعيمات

قال تعالى في الآية ٩٢من سورة الأنبياء: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) إنها أمة العقيدة واللغة والتاريخ والجغرافيا والإرث الإنساني الشاهد على حضارتها المجيدة التي سطعت شمسها على الآخر، ذات مقومات ووشائج متينة لا ينبغي لشكليات الدولة المعاصرة أن تنال من هيبة عظمتها، وأمتها حية لن تموت وإن نامت، وينبغي أن يكون التوافق البناء أولى الأولويات ويتقدم كل المسائل والأجندات وعلى أساس منه يتبلور سلوكنا السياسي وتنهض قممنا بلا انقسامات أو خلافات، قراراتنا مستمدة من مصلحة شعوبنا وخدمة أوطاننا.

وجرى العرف أن تنعقد القمم العربية إما في دوراتها العادية  الدورية أو بشكل غير عادي عندما تدعو إليها الحاجة لبحث قضية عاجلة مستجدة لخلق توافقٍ وتقديم حلول سريعة لها، ففي القمة الأولى التي عقدت في مصر بدعوة من الملك فاروق وشاركت به الدول السبع المؤسسة للجامعة العربية في سنة 1946 جرى إعلان (التشاور والتعاون والعمل قلبا واحدا ويدا واحدة  إلى جانب ضرورة العمل بكل الوسائل الممكنة لمساعدة الشعوب العربية التي ما تزال تحت الحكم الأجنبي لكي تنال حريتها وتبلغ أمانيها القومية...) وقد شكلت القضية الفلسطينية موردا مهما من مضامين القمم العربية على امتداد تاريخها عبر الحقب الزمنية المتلاحقة، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن الصراع مع إسرائيل قد شكل مادة القمم الأولى.

وعلى الرغم من أهمية هذا الملف وحساسيته إلا أن تناوله مؤخرا لم يكن على مستوى  الأهمية التي كان عليها لاختلاف وجهات النظر حوله تبعا لمصالح الدول منفردة وانخراطها في طريق السلام واستحقاقاته، ولم تكن فلسطين وقضيتها على أهمية بالغة بالنسبة لكثير من الدول العربية، وخصوصا غير المجاورة لإسرائيل، وهذا ما أثر بطبيعة الحال على القضية وجعلها  هامشية من العديد من الدول والمؤسسات الإقليمية والدولية طيلة السنوات السابقة بالإضافة إلى انحراف الراعي الأمريكي عن الحلول الحقيقية للأزمة، وابتدع ما يسمى بصفقة القرن المشبوهة التي ضغط بها الرئيس الامريكي ترامب، متناسيا مئة سنة مريرة عاشها الشعب الفلسطيني بدءا من عمليات التطهير العرقي وسلب الممتلكات والتهجير والمجازر التي ذهب ضحيتها الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، وقد عبرت  العرب عن موقفها إزاء العدوان الظالم الحالي على غزة وعن فداحة ما تعمله الآلة الحربية الإسرائيلية المدعومة من أمريكا والغرب من مجازر رهيبة في حق المدنيين الأبرياء، أطفالا ونساء وشيوخا، وقطع مقصود للغذاء والماء والدواء والوقود وتدمير للمستشفيات ونسف كامل لكل البنى التحتية اللازمة للحياة وعلى مرأى من عالم يدعي كذبا حقوق الإنسان ويدافع عنها، وجاءت قمة الرياض بعد شهر من العدوان الهمجي بغية توحيد الجهود العربية والإسلامية، وتميزت هذه القمة بحضور رفيع المستوى من قيادات الدول المؤثرة على مستوى القادة، وجمعت القمتان في قمة واحدة لرفع سقف التوقعات بخصوص مخرجاتها

وإذا كان لقمة الرياض من نجاحات متحققة فإنها أكدت للقضية العربية الأولى أهميتها عربياً، ومكنتها دولياً، كما كشفت الكثير من المواقف المتعلقة بالقضية الفلسطينية ممن  تنصلوا من وعودهم ونأوا بأنفسهم بعيداً، وتبين أنهم لا يملكون سوى خطابات رنانة وشعارات نارية ما فتئت تُطلًق بين الحين والآخر في طهران، وما يزالون يريدون فرض فكرهم ورؤيتهم على المنطقة والعالم، وعلى الرغم من أن القادة المتحدثين ركزوا في كلماتهم على الوقف الفوري لإطلاق النار وإدخال المساعدات لسكان القطاع ورفض فكرة التهجير إلا أنها لم  تفلح في وقف شلال الدماء النازف في غزة، ولم ترفع الظلم عنهم في غياب شبه كامل لأي خطوات عملية يفترض أن تضطلع بها القمة التي جمعت قيادات 57 دولة عربية وإسلامية مع العلم أن كثيراً من المؤتمرين يمتلك وسائل فاعلة وأساليب حيوية للضغط على إسرائيل أو على من يقف إلى جانبها؛ ولهذا  فقدت الأمة أملها المعقود على هذه القمة كما فقدته بالقمم التي تزامنت بغزو العراق وتدميره أو التي شهدت حرب سوريا وتقسيمها وإعادة الاستعمار ثانية لها من جديد أو... وكان  الأحرى بها بأضعف الإيمان أن تقوم بالدفع نحو خلق أغلبية دولية مجابهة لإسرائيل في هيئة الأمم وتدعو بحزم وتماسك إلى ضرورة مواجهة ما تقوم به، أو تبني على الأقل على ما قام به الأردن مؤخرا في هيئة الأمم المتحدة.

لن تنجح سياسة النأي بالنفس التي تنتهجها بعض الأنظمة العربية وغير العربية وخصوصاً في قضايا الأمة المصيرية الوجودية، كما لا يمكن أن تكون القمم العربية ذات جدوى إلا إذا امتلك العرب إرادتهم وبسطوا ولايتهم مسخرين ثروات بلادهم لخدمة الشعوب وتقدمها متخذين من الديمقراطية مساراً حقيقياً في أنظمتهم السياسية، ولا يمكن أن ترقى القمم العربية إلى مستوى طموح شعوبها إلا إذا كانت العرب موحدة وغلبت مصالحها القومية على الوطنية وابتعدت عن النزعات الفردية والرؤى الضيقة ونظرت إلى نفسها بثقة واقتدار.

بوركت جهود أحرار أمتنا.. والنصر للشعب الفلسطيني الأبي.

 النائب د. عيد النعيمات

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!